أحمد بن علي القلقشندي

322

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وهذه نسخة توقيع بنيابة قلعة صرخد ( 1 ) لمن لقبه « جمال الدين » وهي : رسم بالأمر - لا زال يتخيّر لقلاعه النّائب ويتحيّز ( 2 ) من النّائبة ، ويمدّها بسحائب برّه وفكره الصّائبة ، ويندب لخدمتها كلّ سيف يرضي النّادب ( 3 ) ويقيم على غيرها النّادبة - أن يرتّب مجلس الأمير . . . لأنّه الكافي الَّذي تسرّ الحصون بأمثاله ، وتبتسم شرفات القلاع لإقباله ، وتنشرح منازلها بتنقّل نجوم الهداية من أفعاله وأقواله ، والمليّ بأداء الخدمة ، والمرشّح لما هو أوفى وأوفر من الأمور المهمّة . فليباشر نيابة هذه القلعة القديم أثرها ، والشّهير خيرها وخبرها ، بعزمة سيف قاطعة ، وحدّة بأس ذائعة ، ومهابة ذكر لشياطين النّفاق عنها رادعة ؛ فإنّها من بناء المردة ( 4 ) : فليردّ عنها آفة جنسها ، وليحط برقى عزائمه حول نفاستها

--> ( 1 ) صرخد : بلدة صغيرة في بلاد الشام ذات بساتين وكروم ؛ وهي محدثة البناء ، بدئت في عهد نور الدين الشهيد ، ولما وصلت عساكر هولاكو ملك التتار إلى الشام هدموا شرفاتها وبعض جدرانها فجددها الظاهر بيبرس . ( راجع الصبح : 4 / 105 ومعجم البلدان : 3 / 401 ) . ( 2 ) تحيّز من الشيء : تنحّى عنه وتجنّبه - انظر اللسان : 5 / 343 وأساس البلاغة : 147 . ( 3 ) النادب هو المرسل ، والمندوب الرسول ، ( بلغة أهل مكة ) . والنادبة على الميت معروفة . - أنظر أساس البلاغة : 625 . ( 4 ) المردة : قوم من النصارى عرفهم العرب باسم « الجراجمة » - نسبة إلى قاعدتهم في بلدة جرجومة - وعرفهم الروم باسم Mardaite . ويبدو أن هؤلاء الجراجمة أو المردة كانوا في الأصل عشائر من برّ الأناضول أو ما يليه شرقا من بلاد آسيا الصغرى ، جاء بهم الروم إلى جبل اللَّكام في زمن متأخر ووطنوهم هناك كرديف عسكري للاستعانة بهم في حروبهم ضد الفرس أول الأمر ، ثم ضد المسلمين . وقد استمروا مقيمين في تلك المنطقة بعد الفتح الإسلامي للشام ، وبقوا في الوقت ذاته على صلة عسكرية بالروم بعد جلائهم عن البلاد . وتفيد المصادر الإسلامية ( البلاذري ) وتواريخ الروم بأن الجراجمة أو المردة كانوا يخرجون من جبل اللكام إلى الشام فينضم إليهم الكثيرون من أبناء البلاد من الأنباط والأسرى واللصوص ويغيرون معهم على بلاد المسلمين . وفي عام 708 م تمكن الوليد بن عبد الملك منهم وخرّب مدينتهم جرجومة ووزعهم على مناطق مختلفة من شمال الشام ؛ ولم يعد لهم بعد ذلك شأن يذكر . ويعلَّق الدكتور كمال الصليبي في كتابه « منطلق تاريخ لبنان » على تسمية « المردة » بقوله إن هذا التعريب للفظة Mardaite لم يرد في المصادر العربية القديمة ، ويرجّح أن البطريرك الماروني اللبناني أسطفان : الدويهي هو أول من أخذ هذا الاسم عن المصادر اليونانية فضبطه بالعربية على هذا الشكل . واسطفان الدويهي هذا عاش ما بين 1630 و 1704 م . وفي التسمية الَّتي يوردها القلقشندي هنا في هذا التوقيع ما يشير إلى أن المسلمين قد عرفوا هذا الضبط للإسم . وإذا كنا لا نعرف تاريخ هذا التوقيع ، فإنه بالتأكيد قبل وفاة القلقشندي سنة 821 ه - 1418 م ، ولا بدّ أن يكون قد مضى وقت طويل على معرفة المسلمين لهذا الاسم حتى يستقرّ مصطلحا مستعملا في الرسائل والتواقيع الرسمية . ( انظر منطلق تاريخ لبنان : 41 ومعجم البلدان : 2 / 123 في كلامه على اسم « جرجومة » ) .